عبد الرحمن الأنصاري الدباغ

12

مشارق أنوار القلوب ومفاتح أسرار الغيوب ( ويليه سر الأسرار في كشف الأنوار للغزالي )

البقاء على نحو ما سبق في التقدير . وفي مثل ذلك قيل : [ من الكامل ] حيران في سجن الحوادث موثق * خدن الصبابة في الحضيض الأوهد نسي المعارف واللطائف فانبرى * يبغي الحياة من الموات الجلمد « 1 » [ سبق اللذة للنفس بالمحسوسات قبل اللذّة بالأمور الروحانية ] تنبيه : وإنما سبق للنفس اللذّة بالمحسوسات قبل اللذّة بالأمور الروحانية لتقدّم الحواسّ وقوى الطبع البدني من أول النشء قبل اندراج نور العقل وإشراقه على اللذّات الإنسانية ، فلما كان الجسم أوّل منزل دبّرته النفس أوجب ذلك لها محبّة الأجسام وشهواتها من أول الأمر ، وكلما طالت إلفتها لذلك قوي حبّها للذّات الجسم وغلب عليها سلطان الوهم المضادّ لحكم العقل ، فنازع العقل أشدّ منازعة حتى صار كثير من النفوس لا يشعر أنّ وراء لذّة الأجسام وشهواتها لذّة لغلبة الوهم والخيال عليها ولذلك لا تشتاق إلى عالمها لكونها لم تعرفه ولم تألفه ، وقبل الجسم لم يكن لها وجود أصلا ، فإنها حادثة مع بدنها فلا يمكن صرفها عن عشق المحسوسات في الميل إلى المألوفات إلا بعشق عنيف هو أشدّ من ذلك إلى معشوق أكمل وأتمّ لذّة عند من عرفه من اللذّات المحسوسات لتتعلّق النفس بعشقه فيصرفها عن عشق لذّات الجسم ولا يمكّنها من الميل إليها على ما سيأتي بيانه . إشارة : [ هبوط النفس إلى هذا العالم الأسفل ] وإنما جعل الحقّ تعالى هبوط النفس إلى هذا العالم الأسفل على معنى الابتلاء لها إمّا لتحصيل الكمال بالمعرفة الموصلة إلى محبّة اللّه تعالى والقرب منه فتحوز بذلك السعادة الأبدية وإمّا لتكسب الأخلاق الرديّة وتنقاد للشهوات الطبيعية المبعدة من اللّه تعالى . [ كمال النفس هو عين سعادتها ] واعلم أن كمال النفس هو عين سعادتها كما أن عدم كمالها البتة هو نفس شقاوتها ، وإنما يكون كمالها ونقصانها في هذه الدار ما دامت مصاحبة لبدنها ، فكمالها أن تصير بالرياضة بحيث تدرك المعارف الربانيّة بغير واسطة من العالم العلوي ، لا من خارج بطريق الحواسّ ، وتنطبع بالفضائل من محبّة الحقّ ومعرفته ، والشوق إلى جمال حضرته ، فيصير لها ذلك خلقا وعادة ونقصها بضدّ ذلك ، وذلك بأن لا تعرف الحق ولا تحبّه ولا تشتاق إليه وتصير لها الرذائل خلقا ثابتا ،

--> ( 1 ) لم أقف على قائل هذين البيتين .